اسد حيدر
209
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
فسائر أهل المذاهب الإسلامية أجمع في نظر هذا الشيخ كفار وما أعظمها من قسوة في الحكم ، وما أبعد هذا الشيخ عن الانتساب لمنزلة العلم ، ولكن حكم العاطفة العمياء يسلب الرجل رشده ، وللعصبية وقعها وطابعها إذا ما كانت بدافع السياسة وبتأثير الحكام وهي النوع الأغلب الذي بفعله حدثت المآسي . ولولا انجرار ضعاف النفوس وضيقي العقول لما تحولت صفحات الإخاء الناصع إلى سطور دموية . حركات التعصب بين المذاهب : وكان القضاء للحنفية لإيثار الخلفاء لهم بذلك ، ولما أراد القادر باللّه نقله إلى الشافعية ، عين أبا العباس أحمد بن محمد البارزي الشافعي بدلا من الأكفاني الحنفي قاضي بغداد بإشارة أبي حامد الأسفراييني ، وكتب أبو حامد بذلك إلى السلطان محمود ، وأهل خراسان : أن الخليفة نقل القضاء عن الحنفية إلى الشافعية فاشتهر ذلك وصار أهل بغداد حزبين ثارت بينهما الفتن ، فاضطر الخليفة إلى جمع الأشراف والقضاة وأخرج إليهم رسالة تتضمن أن الأسفراييني أدخل على أمير المؤمنين مداخل أوهمه فيها النصح والشفقة والأمانة وكانت على أصول الدخل والخيانة ، فلما تبين له أمره ووضح عنده خبث اعتقاده فيما سأل فيه من تقليد البارزي الحكم والعدول بأمير المؤمنين عما كان عليه أسلافه ، من إيثار الحنفية وتقليدهم واستعمالهم ، صرف البارزي وأعاد الأمر إلى حقه ، وأجراه على قديم رسمه ، وحمل الحنفية على ما كانوا عليه من العناية والكرامة ، والحرمة والإعزاز ، وتقدم إليهم أن لا يلقوا أبا حامد ولا يقضوا له حقا ولا يردوا عليه سلاما ، وخلع على أبي محمد الأكفاني ، وانقطع أبو حامد عن دار الخلافة وظهر التسخط عليه والانحراف عنه « 1 » . يظهر لنا من هذه القصة عظيم اهتمام الحنفية في منصب القضاء . ويعود الأمر لمنزلة القضاة إذ هم همزة الوصل بين البلاط وأهل ذلك المذهب ، وتكون لهم تلك الحظوة ونيل الكرامة والعناية والحرمة ، والإعزاز ما حمل الحنفية على إثارة تلك الفتنة عندما أراد الشافعية سلبها منهم ، والاختصاص بهذه المنزلة دونهم ، وانتهت تلك المشكلة بتنازل الخليفة عن رأيه ، وعاد الأمر إلى نصابه .
--> ( 1 ) نظرة تاريخية لأحمد تيمور باشا ص 87 .